أعلن الباحث جاكوب كوكسون البالغ من العمر 27 عاماً -والذي ساهم في تدريب النماذج الأولية بما في ذلك العمل على نموذج جي بي تي-4 أو في أوبن إيه آي قبل انضمامه إلى أنثروبيك في وقت سابق من هذا العام- استقالته عبر منصة التواصل الاجتماعي إكس في 9 سبتمبر 2026.
وكتب كوكسون أن أياً من الشركتين لا يتصرف بمسؤولية إذ يتسابقان مباشرة نحو الذكاء الاصطناعي ذاتي التحسين ويقامران بحياتنا. وشدد في منشوره على أن من يعملون على بناء الذكاء الاصطناعي يعتقدون بصدق أنه قد يقتلنا جميعاً بحلول نهاية العقد مضيفاً أن الأمر ليس مجرد دعاية تسويقية. ووصف الباحث -الذي قضى ثلاث سنوات في أبحاث التدريب الأولي داخل المختبرين- التكنولوجيا بأنها قادرة على إنتاج أنظمة تفوق قدرات البشر يمكنها اختراق أي شيء وإحداث ثورة في مجالات بأكملها بين ليلة وضحاها واكتساب قوة وموارد حقيقية.
وفي سلسلة منشوراته أوضح كوكسون أن كثيرين في أوبن إيه آي لم يستوعبوا بعمق المخاطر الحضارية بينما تدرك أنثروبيك هذه المخاطر جيداً لكنها لا تزال أسيرة السباق إذ تؤمن بأن أحداً آخر لن يتصرف بمسؤولية. وكان قد انتقل إلى أنثروبيك قادماً من أوبن إيه آي في يوليو 2026 معتبراً إياها أكثر حذراً لكنه انتهى إلى أنه لا يمكن لأي شركة تطوير مثل هذه الأنظمة بطريقة مسؤولة دون تدخل حكومي أو تباطؤ منسق. وأفادت «بيزنس إنسايدر» أن كوكسون أبلغ «وول ستريت جورنال» أنه لا يرغب في المشاركة في الاندفاع الصناعي العام لأنه يخشى أن تخرج الأنظمة ذاتية التحسين عن السيطرة وتدمر البشرية. ويمثل رحيله خروجاً بارزاً آخر وسط تزايد القلق إزاء سرعة التقدم.
ورد إيفان هوبينغر رئيس علم التوافق في أنثروبيك على إكس مؤكداً أن الشركة تؤمن فعلاً وبصدق بأن الذكاء الاصطناعي قد يقتل جميع البشر. وأضاف أنه يقدر شخصياً هذه الإمكانية بأكثر من 10 في المئة خلال العقد المقبل مشيراً إلى أن الشركة -رغم حسن نواياها- تفتقر إلى خطة واضحة لتجنب الذكاء الفائق غير المتحكم فيه. ويبرز هذا التبادل الاعتراف الداخلي بالمخاطر الوجودية حتى مع استمرار التطوير بكامل سرعته. وتتسق مثل هذه التصريحات من كبار المسؤولين مع ما رواه كوكسون عن المخاوف الخاصة التي أعرب عنها المديرون التنفيذيون والباحثون الذين يبدون أكثر تحفظاً في العلن.
وتأتي هذه الاستقالة ضمن سلسلة من الرحيل عن مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة بما في ذلك استقالة مرينانك شارما الذي قاد فريق أبحاث الضمانات في أنثروبيك وغادر في فبراير 2026 محذراً من أن العالم يواجه خطراً بسبب أزمات مترابطة تشمل الذكاء الاصطناعي والأسلحة البيولوجية. وأفادت «سي إن إن» بأن نحو 1400 موظف في شركات الذكاء الاصطناعي وقعوا على رسالة مفتوحة في يوليو يطالبون فيها الحكومة الأمريكية بتنظيم التكنولوجيا وإبطاء وتيرتها لضمان السلامة. كما حذر ياكوب باتشوكي كبير العلماء في أوبن إيه آي قبل يومين من إعلان كوكسون بأن القدرات تتقدم أسرع مما يستطيع الباحثون مراقبتها والسيطرة عليها. وتكشف هذه الأحداث عن التوترات المستمرة بين التقدم التجاري السريع والاعتبارات المتعلقة بالسلامة.
ويشكل التدريب الأولي -المرحلة الأساسية التي تمتص فيها النماذج كميات هائلة من البيانات- جزءاً حاسماً من تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الحدودية في كل من أوبن إيه آي وأنثروبيك. وقد شكلت خبرة كوكسون في هذا المجال أساس رأيه بأن السباق أصبح متهوراً بشكل خطير مع نقص الشفافية حول تقييمات المخاطر الداخلية. وأشارت تقارير من وسائل إعلام عدة من بينها «ماشابل» و«التريبيون» إلى أن منشوراته حظيت باهتمام واسع مما عزز الدعوات إلى رقابة أشد في القطاع. ويأتي هذا الحدث في وقت يواصل فيه المستثمرون ضخ الأموال في مشاريع الذكاء الاصطناعي رغم التحذيرات الصادرة عن الذين يشاركون مباشرة في بناء هذه التكنولوجيا.
وقد قدمت أنثروبيك نفسها كبديل يركز على السلامة مقارنة بمنافساتها غير أن انتقاد كوكسون يشير إلى أن جهودها لا ترقى إلى ما يعتبره تطويراً مسؤولاً. ويعكس قرار الباحث بمغادرة الصناعة كلها إرهاقاً أوسع بين بعض أعضاء الفرق الفنية الذين يتصارعون مع تداعيات عملهم. ويرى مراقبو الصناعة أن مثل هذه الاستقالات العلنية تساعد في إبراز مخاوف قد تظل محصورة في النقاشات الداخلية لولا ذلك. واختتمت سلسلة منشورات كوكسون بنصيحة بعدم التقليل من شأن قوة هذه الأنظمة الناشئة مع اقترابها من قدرات تفوق البشر في مجالات متعددة.
EN