بيّن بنك قطر الوطني كيف يظهر الاقتصاد الأمريكي مرونة متواصلة على الرغم من الاعتدال في التوظيف وارتفاع حالة عدم اليقين الناتجة عن عوامل داخلية وخارجية. وفي تقريره الاقتصادي الأسبوعي عزا البنك هذا الصمود بشكل رئيسي إلى ظروف سوق العمل الأساسية الصحية التي لم تتعرض لتدهور واسع النطاق رغم ممارسة الشركات مزيدا من الحذر. وجاء هذا التقييم عقب تصعيد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران الذي أثار ارتفاع أسعار الطاقة وأضعف الثقة وأثار مخاوف من تجدد التضخم إلى جانب تباطؤ النمو.
وقال بنك قطر الوطني إن الطلب على العمالة قد تراجع لكنه لا يزال يتماشى مع سوق عمل سليم، إذ تباطأ إنشاء الوظائف خلال العام الماضي في حين أصبحت الشركات أكثر انتقائية وسط الغموض. وقد انخفضت الوظائف الشاغرة مما أدى إلى تراجع نسبة الوظائف الشاغرة مقابل البطالة من حوالي 2.0 في بداية 2022 إلى نحو 1.0 مؤخرا، وهذا الرقم يتوافق مع المتوسطات التي سبقت الجائحة والتي يتابعها الاحتياطي الاتحادي كمقياس لضيق سوق العمل. وظلت مطالبات البطالة الأولية ومعدلات التسريح عند مستوياتها المنخفضة تاريخيا، مما يعكس استمرار أصحاب العمل في الاحتفاظ بالعمال ويؤيد تطبيعا منظما بدلا من الانهيار الحاد الذي يسبق الركودات الاقتصادية عادة.
وأسهم نمو الأجور في تعزيز القدرة الشرائية للأسر كعنصر رئيسي ثان، حيث أشار QNB إلى أنه على الرغم من تباطؤ الزيادات الاسمية إلا أن الأجور الحقيقية قد ارتفعت عموما خلال العام الماضي رغم الضغوط السعرية المؤقتة الناجمة عن تكاليف الطاقة. وقد دعمت هذه المكاسب الإنفاق الاستهلاكي الذي يمثل نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي ويشكل ركيزة أساسية للطلب الداخلي. كما أبرزت تقارير معهد بنك أميركا للتوظيف لعام 2026 أنماطا استهلاكية مرنة مماثلة، منها نمو أقوى للأجور بعد الضريبة بين الأسر ذات الدخول المنخفضة ساهم في دعم مستويات الإنفاق العامة.
وبدأ الذكاء الاصطناعي يغير الطلب على العمالة كعامل ثالث، بحسب البنك، من خلال تغيير أنماط المهن التي تتضمن عناصر معرفية روتينية مثل الدعم الإداري وكتابة البرمجيات، مع زيادة الطلب على الخبرات الفنية المتقدمة. ورغم القلق بشأن الاستبدال، لم يجد QNB دليلا كبيرا على أن الذكاء الاصطناعي قد أضعف التوظيف الإجمالي بشكل ملموس، إذ يستمر نمو الوظائف ويبقى معدل البطالة قريبا من مستويات التوظيف الكامل وتظل معدلات التسريح منخفضة. وتشير توقعات مكتب إحصاءات العمل إلى أن مجالات مثل تطوير البرمجيات قد تشهد نموا بنسبة 18% تقريبا بين 2023 و2033، مما يؤكد أن هذه التكنولوجيا تعيد تشكيل تركيبة الوظائف ومتطلبات المهارات أكثر من تقليص أعداد القوة العاملة ككل.
وخلص بنك قطر الوطني إلى أنه يجب النظر إلى التراجع الأخير في سوق العمل على أنه تطبيع لظروف أكثر توازنا وليس مقدمة للضعف، إذ تظهر نسبة الوظائف الشاغرة وانخفاض حالات التسريح تعديلا صحيا. وقد وصف اقتصاديو جي بي مورغان سوق العمل في 2026 بأنه ليس في حالة إفراط في التسخين أو انهيار، بل أكثر حساسية للصدمات مع الاحتفاظ باستقرار أساسي. ويتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس أن يستقر معدل البطالة قرب 4.6% هذا العام مع مكاسب معتدلة في الإنفاق الاستهلاكي.
وأكد البنك أن التقدم المستمر في الأجور الحقيقية قد عزز المالية المنزلية والطلب المحلي، مما يمكن الاقتصاد من استيعاب التحديات الراهنة على نحو أفضل. ولقد أثبتت هذه المرونة أهميتها الكبيرة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالتوترات الدولية الذي أثر على معنويات الأعمال والمستهلكين على السواء. ويقدر تحليل ديلوت إنسايتس نمو متوسط الأجر بالساعة الأخير بنحو 3.5%، وهو ما يوفر حماية مستمرة حتى مع حدوث الاعتدال في ظل ضعف الطلب على العمالة.
EN